-
من هرمز إلى دمشق: اقتصاد الاختناق الجيوسياسي وأثر الصراع الأميركي–الإيراني على أسواق الطاقة والاقتصاد السوري "دراسة تحليلية متكاملة"
مقدمة
لم تعد أزمات الطاقة في الشرق الأوسط شأناً إقليمياً محدوداً. فقد أعادت الحرب الأميركية–الإيرانية منذ شباط/فبراير 2026 تعريف العلاقة بين الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة والتجارة الدولية. وفي قلب هذه المعادلة يقع مضيق هرمز. فهو ليس مجرد ممر بحري ضيق، بل عقدة استراتيجية في شبكة الاعتماد المتبادل التي تربط منتجي الطاقة في الخليج بالأسواق الآسيوية والأوروبية والعالمية. وقد عبر المضيق في عام 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، بما يعادل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً .
تتعامل هذه الدراسة مع الصراع الأميركي–الإيراني من منظور الاقتصاد السياسي الجيو-اقتصادي. ولا تنظر إلى العقوبات والنفط والممرات البحرية باعتبارها متغيرات منفصلة. فالاقتصاد العالمي المعاصر يقوم على شبكات كثيفة من الاعتماد المتبادل. وتمنح هذه الشبكات بعض الدول قدرة على تحويل موقعها داخلها إلى أداة ضغط. وهذا ما وصفه Farrell and Newman بمفهوم "تسليح الاعتماد المتبادل"؛ إذ يمكن للدول التي تمتلك موقعاً مركزياً في الشبكات الاقتصادية أن تستخدم هذا الموقع لممارسة الإكراه السياسي والاقتصادي.
ضمن هذا الإطار، لا يمثل هرمز مجرد نقطة اختناق مادية. إنه أصل جيو-اقتصادي يمكن أن تنتقل عبره الصدمة من المجال العسكري إلى سوق الطاقة، ثم إلى التجارة والنقل والتضخم وسعر الصرف. وتزداد أهمية هذا المسار عندما تكون البدائل محدودة. فحتى الدول التي تستطيع استخدام خطوط تصدير بديلة لا تستطيع تعويض جميع التدفقات المتوقفة بسرعة. كما أن إعادة توجيه التجارة لا تلغي تكاليف التأمين والنقل والمخاطر الجيوسياسية. ولذلك فإن استمرار الاضطراب قد ينتج علاوة مخاطر هيكلية فوق السعر الأساسي للنفط.
وتكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية أن الأزمة تجاوزت بالفعل حدود الاضطراب المؤقت. فقد هبطت تدفقات النفط عبر هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، بينما أدت القيود على الملاحة إلى تعطيل إمدادات النفط والغاز والمنتجات المكررة. وفي تقريرها الصادر في أيلول/سبتمبر 2026، خفضت الوكالة توقعاتها للمعروض العالمي من النفط، وقدرت متوسط الإمدادات العالمية خلال العام عند نحو 100.7 مليون برميل يومياً، بانخفاض 5.7 مليون برميل يومياً عن العام السابق. كما أصبح الضغط أكثر وضوحاً في سوق الديزل والمنتجات المكررة، وليس في الخام وحده.
هذه التطورات تضع سوريا أمام حالة مختلفة عن الاقتصادات النفطية الكبرى. فزيادة الإنتاج المحلي السوري لا تعني بالضرورة تحقيق أمن الطاقة. ويظل الفرق بين الإنتاج والاستهلاك بحاجة إلى تمويل واستيراد وتكرير وتوزيع. لذلك فإن ارتفاع السعر العالمي للنفط يمكن أن ينتقل إلى الاقتصاد السوري عبر أكثر من قناة. تبدأ القناة الأولى بفجوة الطاقة والاستيراد. وتأتي بعدها قناة سعر الصرف، لأن ارتفاع فاتورة الطاقة يزيد الطلب على العملات الأجنبية. ثم تظهر قناة التضخم، حيث تنتقل تكلفة الوقود إلى النقل والإنتاج والخدمات والغذاء. وهنا تتحول أزمة هرمز من أزمة خارجية إلى صدمة داخلية متعددة القنوات.
تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن استمرار الصراع الأميركي–الإيراني دون تسوية مستقرة سيحول اضطراب هرمز من صدمة مؤقتة في سوق الطاقة إلى عامل جيو-اقتصادي مستمر، وأن الاقتصادات الهشة ذات الفجوات الطاقوية والقدرة المحدودة على الوصول إلى العملات الأجنبية ستكون الأكثر تعرضاً لآثاره. وتفترض الدراسة أن سوريا تمثل حالة واضحة لهذا الانتقال، لأن أثر النفط عليها لا يتحدد بسعر البرميل وحده، بل بالتفاعل بين سعر الطاقة العالمي، وحجم فجوة الاستيراد، وسعر الصرف، وقدرة الدولة على تمويل الواردات، وبنية الإنتاج المحلي.
وعليه، لا تبحث الدراسة فقط في السؤال التقليدي: ماذا سيحدث لسعر النفط إذا استمر إغلاق هرمز؟ بل تنتقل إلى سؤال أوسع: كيف تتحول نقطة اختناق جيوسياسية إلى صدمة اقتصادية عالمية، وكيف تعاد ترجمة هذه الصدمة داخل اقتصاد سوري هش؟
1. الصراع الأميركي–الإيراني بوصفه صراعاً جيو-اقتصادياً
1.1 من الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد
شهدت العلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة انتقالاً مهماً من مفهوم القوة العسكرية المباشرة إلى مفهوم أكثر تركيباً للقوة. لم تعد الدولة تمارس نفوذها فقط عبر الجيوش والقواعد والتحالفات. أصبحت التجارة، والطاقة، والتمويل، والعقوبات، وسلاسل الإمداد، والبنى التحتية العابرة للحدود أدوات مركزية في ممارسة القوة. لذلك فإن قراءة الصراع الأميركي–الإيراني من زاوية عسكرية فقط تؤدي إلى اختزال طبيعة المواجهة. فالميدان العسكري هو أحد مستوياتها، لكنه ليس المستوى الوحيد.
يقدم Baldwin مفهوم الدولة الاقتصادية باعتبارها توظيفاً للموارد الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية خارجية. ولا يفترض هذا المنظور أن العقوبات هي الأداة الوحيدة، بل يضع التجارة والاستثمار والمساعدات والقيود الاقتصادية ضمن طيف أوسع من أدوات التأثير. ومن هذه الزاوية، تبدو السياسة الأميركية تجاه إيران أقرب إلى استراتيجية ضغط متعددة المستويات. فهي تجمع بين القوة العسكرية، والعقوبات، وتقييد صادرات النفط، والضغط على الإيرادات الحكومية، ومحاولة التحكم في شروط إعادة اندماج إيران في الأسواق العالمية.
لكن الجيو-اقتصاد المعاصر يتجاوز مفهوم استخدام الأدوات الاقتصادية بصورة مباشرة. فقد بيّن Farrell and Newman أن العولمة خلقت شبكات اقتصادية غير متوازنة، تتمركز فيها بعض العقد بدرجة أكبر من غيرها. ومن يسيطر على العقد الأكثر مركزية يستطيع التأثير في تدفق الموارد عبر الشبكة. وقد أطلقا على هذه الظاهرة مفهوم Weaponized Interdependence؛ أي تحويل الاعتماد المتبادل إلى مصدر للإكراه.
وتكتسب هذه النظرية أهمية خاصة في الحالة الإيرانية. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى السيطرة على كل موارد إيران حتى تضغط عليها. يكفيها التأثير في بعض العقد المالية والتجارية والتكنولوجية التي تمر عبرها التجارة الإيرانية. وفي المقابل، تمتلك إيران عقدة جغرافية مختلفة. إنها لا تسيطر على النظام المالي العالمي، لكنها تقع على أحد أهم الممرات التي تعتمد عليها تجارة الطاقة العالمية. ومن هنا ينشأ نوع غير متماثل من القوة: واشنطن تستخدم مركزيتها المالية والاقتصادية، وطهران تستخدم موقعها الجغرافي في شبكة الطاقة العالمية.
1.2 الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة توزيع القدرة على الإكراه
تقوم المواجهة الحالية على محاولة كل طرف تغيير كلفة سلوك الطرف الآخر. الولايات المتحدة تسعى إلى جعل استمرار السياسات الإيرانية أكثر كلفة اقتصادياً. أما إيران فتحاول رفع كلفة الضغط عليها، ليس فقط عبر الرد العسكري، بل عبر التحكم في البيئة الإقليمية التي تعتمد عليها أسواق الطاقة.
هذه النقطة مهمة لفهم طبيعة هرمز. فالمضيق لا يمثل بالنسبة إلى إيران مجرد ممر تجاري. إنه أحد الأصول الجيو-اقتصادية التي تمنحها قدرة على التأثير في أطراف أقوى منها اقتصادياً. فإذا كانت العقوبات الأميركية تستهدف الإيرادات والقدرة الإيرانية على الوصول إلى الأسواق، فإن اضطراب هرمز يخلق تكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها وعلى الاقتصاد العالمي أيضاً. وبذلك تتحول المواجهة من صيغة عقوبة مقابل عقوبة إلى صيغة أكثر تعقيداً: تكلفة داخلية مقابل تكلفة عالمية.
تظهر التطورات الحالية أن هذا التوازن ليس ثابتاً. فقد أشارت رويترز في 6 أيلول/سبتمبر إلى أن الضغط الاقتصادي الأميركي بدأ يفرض قيوداً شديدة على الاقتصاد الإيراني، مع نقص في العملات الأجنبية وتراجع الواردات وارتفاع الأسعار. وفي الوقت نفسه، أصبحت قدرة إيران على استخدام هرمز موضع اختبار بسبب الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة .
لكن ضعف إيران الاقتصادي لا يعني فقدانها القدرة الجيو-اقتصادية. فالقوة في هذا النوع من الصراع لا تقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو الاحتياطي النقدي. يمكن لدولة ذات اقتصاد أصغر أن تمتلك قدرة اختناقية تفوق وزنها الاقتصادي إذا كانت تسيطر أو تستطيع تعطيل عقدة حيوية في شبكة دولية. وهذا ما يجعل هرمز مختلفاً عن أداة ضغط اقتصادية تقليدية.
1.3 مضيق هرمز بوصفه عقدة جيو-اقتصادية
يمثل هرمز حالة نموذجية لما يمكن تسميته اقتصاد الاختناق الجيوسياسي. يبلغ عرض المضيق في أضيق نقاطه نحو 21 ميلاً بحرياً، ويمر عبره في الظروف الطبيعية نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية. وهذا يعادل قرابة 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً. كما أن نحو 80% من هذه التدفقات تتجه إلى الأسواق الآسيوية، بينما تعتمد قطر والإمارات على المضيق في تصدير معظم إنتاجهما من الغاز الطبيعي المسال.
هذه الأرقام تفسر لماذا يتجاوز أثر هرمز العلاقة الأميركية–الإيرانية المباشرة. فإغلاق المضيق أو تعطيله لا يعاقب الولايات المتحدة وحدها. إنه يعيد توزيع كلفة الصراع على الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا، وعلى الدول المستوردة للطاقة بصورة عامة. ولذلك فإن كل يوم إضافي من الاضطراب يوسع دائرة الأطراف المتضررة، ويزيد في الوقت نفسه الحوافز الدولية للضغط من أجل التسوية.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق انخفضت خلال الأشهر الأولى للأزمة من نحو 20 مليون برميل يومياً إلى متوسط يقارب 2.7 مليون برميل يومياً في مارس وأبريل ومايو، بينما تجاوزت خسائر الإمدادات التراكمية من منتجي الشرق الأوسط 1.3 مليار برميل. لكن السوق استطاع امتصاص جزء من الصدمة عبر السحب من المخزونات، واستخدام مسارات بديلة، وزيادة الإنتاج من منتجين آخرين، وتعديل سلوك المستهلكين. وهذه الاستجابة تكشف أن قوة الاختناق ليست مطلقة. إنها تتراجع كلما استطاع النظام الدولي بناء بدائل.
مع ذلك، تبقى البدائل محدودة. تقدر وكالة الطاقة الدولية أن طاقة خطوط الأنابيب التي يمكنها تجاوز هرمز لا تتجاوز نحو 3.5–5.5 مليون برميل يومياً، وهي كمية صغيرة مقارنة بالتدفقات الطبيعية عبر المضيق. لذلك فإن قيمة هرمز الجيو-اقتصادية لا تأتي فقط من حجم النفط الذي يمر فيه، بل من ضعف قابلية استبداله بسرعة.
1.4 سيناريوهات الصراع وحدود التسوية
لا يبدو الصراع الحالي محكوماً بمسار واحد. السيناريو الأول هو التسوية التدريجية. ويقوم على تفاهم أميركي–إيراني يسمح بإعادة فتح هرمز بصورة تدريجية، ويخفف القيود على حركة النفط، مقابل تنازلات إيرانية في الملفات التي تعتبرها واشنطن جوهرية. وقد أثبتت تجربة الهدنة المؤقتة في صيف 2026 أن مجرد تحسن التوقعات السياسية يمكن أن يغير أسعار النفط بسرعة. ففي يونيو أدى اتفاق مؤقت إلى ارتفاع تدفقات الخليج وانخفاض سعر خام North Sea Dated إلى نحو 68 دولاراً في مطلع يوليو قبل تجدد التصعيد.
السيناريو الثاني هو إدارة الصراع دون حله. وهو الأكثر أهمية تحليلياً. لا حرب شاملة، ولا تسوية مستقرة. تبقى هرمز مفتوحة جزئياً أو مضطربة، وتبقى العقوبات قائمة، وتستمر الضربات المتبادلة بصورة محدودة. هذا السيناريو يحافظ على علاوة مخاطر مرتفعة ويجعل النفط أكثر حساسية للأحداث السياسية. وتؤكد التطورات الحالية هذا الاحتمال؛ إذ أفادت تقارير في 12 أيلول/سبتمبر بأن اجتماعاً مرتقباً في عُمان لن يؤدي إلى اتفاق فوري حول هرمز، بينما لا تزال الخلافات حول شروط إدارة المرور قائمة.
أما السيناريو الثالث فهو التصعيد الإقليمي. وفيه ينتقل الضغط من هرمز إلى بنية الطاقة الخليجية الأوسع. يصبح استهداف خطوط الأنابيب والمنشآت والموانئ وباب المندب جزءاً من الصراع. وهذا السيناريو يرفع كلفة الطاقة بصورة أكبر لأنه يقلل قدرة السوق على تعويض خسائر هرمز. وقد أصبح هذا الاحتمال أكثر أهمية بعد تعرض خط East-West السعودي، الذي يوفر مساراً لتجاوز المضيق، لهجوم أدى إلى تعطله مؤقتاً، بالتزامن مع تصاعد المخاطر حول باب المندب.
وعليه، فإن الفرضية التي تعتمدها الدراسة في هذه المرحلة هي أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس التسوية السريعة ولا الحرب الشاملة، بل صراع ممتد منخفض إلى متوسط الشدة، تنتقل خلاله الجغرافيا السياسية إلى أسعار الطاقة عبر علاوة مخاطر مستمرة. وهذا الاستنتاج مهم للحالة السورية تحديداً. فالدول ذات الاحتياطيات المالية الكبيرة تستطيع امتصاص جزء من الصدمة. أما الدول ذات الفجوة الطاقوية والعجز الخارجي وسعر الصرف الهش، فإنها تتلقى الصدمة عبر قنوات متراكبة.
وهنا يبدأ الانتقال من اقتصاد الصراع الأميركي–الإيراني إلى اقتصاد الطاقة العالمي. وهو ما سيعالجه المبحث التالي، قبل أن نصل إلى الحالة السورية بوصفها حالة تطبيقية لا مجرد مثال ثانوي.
ننتقل هنا من الصراع بوصفه أداة جيو-اقتصادية إلى آلية انتقاله داخل سوق الطاقة. سأحافظ على الفصل بين البيانات الموثقة والاستنتاج التحليلي والفرضية، لأن هذه النقطة ستكون أساساً للمبحث السوري لاحقاً.
2. مضيق هرمز وسوق الطاقة العالمية: من نقطة الاختناق إلى صدمة الأسعار
2.1 هرمز كعقدة حرجة في النظام الطاقوي العالمي
لا تكمن أهمية مضيق هرمز في موقعه الجغرافي وحده. قيمته الاقتصادية تنبع من موقعه داخل شبكة عالمية شديدة الاعتماد على تدفقات الطاقة. يربط المضيق الخليج العربي بالمحيط الهندي، ويشكل المنفذ البحري الرئيسي لصادرات النفط والغاز من السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر وإيران. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 20 مليون برميل يومياً كانت تمر عبره في 2025، أي ما يقارب ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً. كما أن غالبية هذه التدفقات تتجه نحو آسيا، خصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
هذه المركزية تجعل هرمز مثالاً واضحاً على مفهوم نقطة الاختناق الجيو-اقتصادية. فالأهمية لا تتحدد بحجم التدفق فقط، بل بمدى صعوبة استبداله. تستطيع التجارة العالمية تغيير بعض مساراتها، لكن إعادة توجيه عشرات ملايين البراميل يومياً ليست عملية فورية. خطوط الأنابيب البديلة محدودة، وقدرات الموانئ والتخزين والتكرير ليست مرنة بما يكفي لاستيعاب صدمة كبيرة في وقت قصير.
ومن هنا تظهر خاصية أساسية في اقتصاد الاختناق: الصدمة لا تحتاج إلى توقف كامل للتدفقات حتى تصبح ذات أثر عالمي. انخفاض القدرة على المرور، أو ارتفاع المخاطر الأمنية، أو ارتفاع أقساط التأمين يمكن أن يؤدي إلى زيادة التكلفة النهائية للطاقة حتى عندما يستمر جزء من التدفق. وهذا يفسر لماذا أصبح التأمين والشحن جزءاً من معادلة سعر النفط، وليس مجرد تكلفة ثانوية.
2.2 من نقص الإمداد إلى علاوة المخاطر
يجب التمييز بين نقص النفط الفعلي وتسعير خطر النقص. السوق المالية لا تنتظر وصول العجز إلى المستهلك النهائي حتى تستجيب. أسعار العقود الآجلة تتفاعل مع توقعات المنتجين والمستهلكين وشركاتالنقل والمصافي. ولذلك يمكن أن يرتفع السعر قبل حدوث النقص الكامل.
هذا ما يفسر مفهوم علاوة المخاطر الجيوسياسية. فعندما تصبح احتمالات انقطاع الإمدادات أعلى، يضيف المتعاملون علاوة إلى السعر الفوري والعقود المستقبلية. ولا تختفي هذه العلاوة بمجرد بقاء بعض الناقلات قادرة على المرور. فهي تعكس عدم اليقين بشأن الأيام والأسابيع التالية.
وقد أظهرت أزمة 2026 هذه الآلية بصورة واضحة. فقد أدى اضطراب هرمز إلى خفض كبير في تدفقات النفط والمنتجات النفطية، بينما اضطرت الأسواق إلى استخدام المخزونات الاستراتيجية وإعادة توجيه بعض التدفقات. وفي تقريرها الأخير، قدرت وكالة الطاقة الدولية أن اضطراب الخليج تسبب في أكبر صدمة إمداد في تاريخ سوق النفط الحديث، مع فقدان ملايين البراميل يومياً من الإمدادات المعتادة.
تحليلياً، لا يعني ذلك أن كل برميل مفقود يؤدي إلى ارتفاع مماثل في السعر. فالسوق يمتلك أدوات امتصاص. هناك المخزونات، والإنتاج الإضافي، وتغيير وجهة الشحنات، وتقليل الاستهلاك، وزيادة كفاءة استخدام الطاقة. لكن قدرة هذه الأدوات محدودة زمنياً. وكلما طال الاضطراب، انتقل السوق من امتصاص الصدمة إلى إعادة تسعيرها.
2.3 النفط الخام ليس الحلقة الوحيدة
من الأخطاء الشائعة اختزال أزمة الطاقة في سعر خام Brent. بالنسبة للاقتصادات المستوردة، قد يكون ارتفاع أسعار المنتجات المكررة أكثر تأثيراً من ارتفاع الخام نفسه.
فالنفط الخام يحتاج إلى تكرير قبل أن يتحول إلى بنزين أو ديزل أو وقود طائرات. وإذا تعرضت حركة الخام للخطر، فإن المصافي تبدأ في مواجهة مشكلة في المواد الأولية. وإذا كانت المصافي نفسها معرضة للخطر، يصبح نقص المنتجات أكثر حدة.
وهذا مهم بصورة خاصة في سوق الديزل. فالديزل يدخل في النقل البري، والزراعة، والتوليد الصناعي، وسلاسل الإمداد. لذلك فإن ارتفاع سعره ينتقل بسرعة إلى تكلفة السلع والخدمات. وتُظهر بيانات السوق في 2026 أن اضطرابات الخليج دفعت هوامش بعض المنتجات المكررة إلى الارتفاع، في وقت كانت فيه المخزونات العالمية أكثر ضيقاً مما كانت عليه قبل الأزمة.
يمكن هنا صياغة آلية الانتقال على النحو التالي:
اضطراب هرمز انخفاض تدفقات الخام ضغط على المصافي ارتفاع أسعار المنتجات المكررة
ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج تضخم.
وهذه الآلية ستكون شديدة الأهمية عندما ننتقل إلى سوريا، لأن الاقتصاد السوري لا يستورد «النفط» كمفهوم مجرد. إنه يحتاج إلى منتجات طاقة قابلة للاستخدام. ولذلك فإن سعر الديزل والبنزين والشحن البحري والتأمين وسعر الصرف قد يكون أكثر أهمية من السعر النظري للبرميل الخام.
2.4 حدود قدرة السوق على امتصاص الصدمة
يمتلك النظام العالمي عدة أدوات لمواجهة أزمة هرمز. أهمها المخزونات الاستراتيجية، والطاقة الإنتاجية الفائضة، وخطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، وإعادة توجيه بعض الشحنات، وترشيد الطلب.
لكن هذه الأدوات لا تمتلك القدرة نفسها. المخزونات تستطيع شراء الوقت، لكنها لا تنتج نفطاً جديداً. وخطوط الأنابيب تستطيع تجاوز جزء من الاختناق، لكنها لا تعوض كامل التدفقات. أما الإنتاج الفائض فيحتاج إلى وقت وقد يواجه قيوداً تقنية ولوجستية.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية قدرة خطوط الأنابيب التي يمكن أن تتجاوز هرمز بنحو 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يومياً، مقابل تدفقات طبيعية تقترب من 20 مليون برميل يومياً. وهذا يعني أن البدائل قادرة على تخفيف الصدمة، لكنها غير قادرة على إلغاء أثرها إذا استمر التعطيل على نطاق واسع.
وهنا يمكن صياغة فرضية الدراسة الثانية: كلما طال اضطراب هرمز، تراجعت قدرة السوق على امتصاص الصدمة من خلال المخزونات والبدائل، وأصبح جزء أكبر من علاوة المخاطر سعراً هيكلياً في سوق الطاقة.
لكن هذا لا يعني أن النفط سيبقى بالضرورة عند أعلى سعر يصل إليه أثناء الأزمة. فالأسواق تعرف أيضاً آلية عكسية. ارتفاع الأسعار يقلل الطلب، ويحفز الإنتاج خارج منطقة الخليج، ويشجع على استخدام بدائل الطاقة، ويضغط على النشاط الاقتصادي. ولذلك فإن الصدمة النفطية تحمل داخلها آلية تحد من استمرارها.
2.5 السيناريو السعري للربع الأخير من 2026
بناءً على ذلك، لا ينبغي بناء توقع النفط على رقم واحد. الأفضل استخدام نطاقات مرتبطة بسلوك هرمز.
في سيناريو الانفراج التدريجي، يمكن أن تتراجع علاوة المخاطر مع عودة الملاحة، وقد يعود Brent إلى نطاق أدنى من مستويات الأزمة بعد استقرار التدفقات وإعادة بناء المخزونات.
أما السيناريو المركزي الذي تعتمد عليه الدراسة، فهو استمرار الاضطراب دون إغلاق كامل أو تسوية نهائية. في هذه الحالة يصبح نطاق 100–125 دولاراً للبرميل أكثر قابلية للدفاع عنه باعتباره نطاقاً تحليلياً، وليس سعراً مؤكداً. استمرار هذا المستوى لفترة طويلة سيكون أكثر أهمية للاقتصاد العالمي من وصول النفط إلى قمة مؤقتة أعلى منه.
أما في سيناريو التصعيد الإقليمي، فإن استهداف منشآت الإنتاج أو خطوط الأنابيب أو الموانئ، بالتزامن مع استمرار اضطراب هرمز، يمكن أن يدفع السوق إلى مستويات أعلى بكثير. وفي هذه الحالة لن يكون ارتفاع السعر مجرد نتيجة للخوف من انقطاع الإمدادات، بل نتيجة لانخفاض فعلي في القدرة الإنتاجية والتصديرية.
وهنا تصل الدراسة إلى نتيجة أساسية: هرمز لا يحدد سعر النفط وحده؛ لكنه يغير شروط تكوين السعر. فهو يرفع تكلفة المخاطر، ويقلل مرونة الإمداد، ويزيد قيمة المخزونات والبدائل، ويجعل الأسواق أكثر حساسية للأحداث السياسية.
وتزداد أهمية هذه النتيجة بالنسبة لسوريا لأن الصدمة الخارجية لن تدخل الاقتصاد السوري عبر النفط وحده. ستدخل عبر فاتورة الاستيراد، وسعر الصرف، وأسعار المحروقات، والنقل، والتضخم. لذلك فإن المبحث التالي يجب أن ينتقل من سؤال «كم سيصبح سعر النفط؟» إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف تتحول صدمة الطاقة العالمية إلى أزمة جيو-اقتصادية داخل سوريا؟
3. انتقال صدمة الطاقة إلى الاقتصاد السوري: من فجوة الطاقة إلى التضخم وسعر الصرف
3.1 سوريا بين استعادة الإنتاج واستمرار فجوة الطاقة
تختلف الحالة السورية عن الدول الخليجية المنتجة للطاقة في نقطة أساسية. ارتفاع إنتاج النفط المحلي لا يعني بالضرورة تحول سوريا إلى دولة مكتفية طاقوياً. المعيار الاقتصادي الصحيح ليس حجم الإنتاج وحده، بل صافي الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، ونوعية المشتقات المتاحة، والقدرة على التكرير، وتكلفة تأمين الواردات.
تشير بيانات وزارة الطاقة السورية إلى إنتاج يقارب 14.8 مليون برميل خلال النصف الأول من 2026، أي متوسط يقارب 81 ألف برميل يومياً. وفي المقابل، تتراوح تقديرات الاحتياجات المحلية بين 120 و150 ألف برميل يومياً. وهذا يعني استمرار فجوة بين الإنتاج والاستهلاك حتى مع التحسن في الإنتاج المحلي. كما أن الخام المنتج محلياً لا يتحول تلقائياً إلى الكميات المطلوبة من البنزين والمازوت وسائر المنتجات النهائية، لأن ذلك يعتمد على البنية التكريرية وقدرتها التشغيلية.
هذه النقطة مهمة في تقييم الخطاب الاقتصادي حول استعادة الحقول. استعادة الحقل هي خطوة إنتاجية، وليست بحد ذاتها سياسة لأمن الطاقة. فالأمن الطاقوي يتطلب تكامل الإنتاج والنقل والتكرير والتخزين والتوزيع. وإذا بقيت إحدى هذه الحلقات ضعيفة، تستمر الحاجة إلى الاستيراد.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، تظهر هنا مشكلة مختلفة. تستطيع الحكومة الإعلان عن ارتفاع الإنتاج المحلي، لكن المواطن لا يستهلك «برميلاً خاماً». هو يستهلك وقوداً مسعراً داخل سوق تتأثر بأسعار الطاقة الدولية وسعر الصرف وتكلفة النقل. ولذلك فإن تحسن الإنتاج المحلي يمكن أن يخفف الصدمة، لكنه لا يلغيها.
الاستنتاج التحليلي: سوريا تدخل أزمة هرمز وهي أقل اعتماداً على السوق العالمية مما كانت ستكون عليه في حالة غياب الإنتاج المحلي، لكنها ليست محصنة منها. الإنتاج المحلي يعمل كـوسادة جزئية للصدمات وليس كعازل كامل.
3.2 قناة سعر الصرف: كيف تتحول فاتورة النفط إلى ضغط على الليرة؟
تمثل قناة سعر الصرف الحلقة الأكثر حساسية في الاقتصاد السوري. فالطاقة المستوردة تحتاج إلى عملات أجنبية، وأي ارتفاع في السعر العالمي للنفط يرفع القيمة الدولارية للواردات إذا بقيت الكميات ثابتة. وفي اقتصاد يعاني أصلاً من محدودية تدفقات العملات الأجنبية، يمكن أن يتحول ارتفاع فاتورة الطاقة إلى ضغط إضافي على سوق الصرف.
توضح أدبيات الاقتصاد الكلي في الاقتصادات المستوردة للطاقة أن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى تدهور الحساب الجاري عبر زيادة قيمة الواردات، ثم ينتقل أثره إلى العملة المحلية إذا لم تقابله تدفقات رأسمالية أو صادرات إضافية. وفي الاقتصادات ذات أنظمة الصرف الهشة، يصبح هذا الانتقال أكثر وضوحاً.
في الحالة السورية، تتضاعف هذه القناة لأن ضعف القدرة التصديرية يجعل تمويل الواردات أكثر حساسية لأي تغير في الأسعار العالمية. فإذا ارتفع النفط من 80 إلى 120 دولاراً، لا ترتفع فاتورة الطاقة بنسبة 50% بالضرورة في كل الحالات، لأن الكميات ومصادر الاستيراد وأسعار المشتقات تتغير. لكن الاتجاه الاقتصادي واضح: كل زيادة مستمرة في تكلفة الطاقة المستوردة تخلق طلباً إضافياً على العملات الأجنبية.
وهنا ينبغي الحذر من تحويل توقع سعر الصرف إلى نتيجة ميكانيكية. وصول الدولار إلى 16,500 أو 18,000 ليرة قديمة ليس نتيجة مباشرة لارتفاع النفط وحده. سعر الصرف يتحدد أيضاً بالسيولة المحلية، والثقة، والتوقعات، والسياسة النقدية، وحجم التحويلات، والتدفقات التجارية والرأسمالية. لذلك فإن الدراسة لا تفترض أن النفط «يسبب» وحده انخفاض الليرة.
الأدق هو القول إن صدمة النفط تعمل كمضاعف للضغوط القائمة. فإذا كان الاقتصاد السوري يعاني مسبقاً من اختلال خارجي، فإن ارتفاع تكلفة الطاقة يزيد هشاشته. أما إذا تحسنت التدفقات الخارجية أو ارتفعت الصادرات أو توافرت موارد تمويلية جديدة، فقد يكون أثر الصدمة أقل بكثير.
3.3 من المحروقات إلى التضخم: آلية انتقال التكلفة
لا تتوقف الصدمة عند سعر الصرف. فالمحروقات تمثل مدخلاً عاماً للاقتصاد. النقل يعتمد عليها، والزراعة تحتاج إلى الديزل، والمصانع تحتاج إلى الطاقة، وسلاسل توزيع الغذاء تحتاج إلى الشاحنات. ولذلك فإن ارتفاع سعر الوقود ينتقل إلى المستوى العام للأسعار عبر ما يعرف في الاقتصاد بـCost-Push Inflation.
لكن أثر الطاقة في سوريا لا يقتصر على الوزن المباشر للوقود داخل سلة الاستهلاك. هناك أثر غير مباشر أكبر. عندما ترتفع تكلفة نقل طن من الغذاء أو المواد الأولية، ترتفع تكلفة المنتج النهائي حتى لو لم يتغير سعر المادة الأساسية نفسها.
يمكن تمثيل المسار السوري بصورة مبسطة:
ارتفاع النفط العالمي ارتفاع تكلفة المشتقات ارتفاع تكلفة الاستيراد ضغط على سعر الصرف ارتفاع سعر الوقود المحلي ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج ارتفاع الأسعار.
وهذا المسار يجعل صدمة الطاقة مختلفة عن ارتفاع سعر سلعة واحدة. إنها تنتشر عبر شبكة الإنتاج والتوزيع.
وتزداد المشكلة عندما تتزامن الصدمة الخارجية مع انخفاض القوة الشرائية. فالمنتج يحاول تمرير ارتفاع التكلفة إلى المستهلك، بينما يحاول المستهلك تقليص الإنفاق. ومن هنا قد يظهر شكل من الركود التضخمي: أسعار أعلى في الوقت الذي يبقى فيه الطلب الحقيقي ضعيفاً والنشاط الاقتصادي محدوداً.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين التضخم الناتج عن الطلب والتضخم الناتج عن التكلفة. لا تحتاج سوريا إلى توسع قوي في الطلب حتى ترتفع الأسعار. يكفي ارتفاع تكلفة الطاقة والواردات وانخفاض قيمة العملة حتى يبدأ التضخم من جانب العرض.
3.4 لماذا تكون صدمة الديزل أخطر من صدمة البنزين؟
في الحالة السورية، ينبغي ألا نحصر التحليل في سعر البنزين. فالديزل أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي. يدخل في النقل الثقيل، والزراعة، والمولدات، وبعض العمليات الصناعية والخدمية. لذلك فإن ارتفاع المازوت يمكن أن يمتلك مضاعفاً اقتصادياً أعلى من ارتفاع البنزين.
إذا ارتفع سعر البنزين، يتأثر النقل الخاص بصورة مباشرة. أما ارتفاع الديزل فيمكن أن ينتقل إلى سلسلة كاملة:
شاحنة تكلفة نقل سعر جملة سعر تجزئة سعر غذاء.
والأمر نفسه ينطبق على الزراعة. ارتفاع تكلفة تشغيل الآليات ومضخات المياه والنقل الزراعي يرفع تكلفة الإنتاج قبل وصول المحصول إلى السوق. لذلك فإن أثر الطاقة يمكن أن يظهر في أسعار الغذاء حتى عندما لا يكون النفط نفسه مكوناً رئيسياً في السلعة.
وتقدم هذه الآلية تفسيراً مهماً لخصوصية الاقتصاد السوري. فاقتصاد ضعيف البنية الإنتاجية يعتمد بدرجة كبيرة على النقل البري وعلى مصادر طاقة مكلفة، وبالتالي تكون مرونة استبدال الطاقة منخفضة على المدى القصير. يستطيع المستهلك الأوروبي مثلاً تقليل استخدام السيارة أو التحول إلى النقل العام. أما المنتج السوري الصغير الذي يعتمد على مولدة ديزل أو شاحنة لنقل إنتاجه، فقد لا يمتلك بديلاً فورياً.
وبالتالي فإن ارتفاع الطاقة قد يخفض الإنتاج بدلاً من أن يخفض الاستهلاك فقط. وهذا يخلق أثراً مزدوجاً: ارتفاع الأسعار وانخفاض الكمية المنتجة.
3.5 سيناريو الربع الأخير: صدمة خارجية فوق هشاشة داخلية
بناءً على المحاور السابقة، تقترح الدراسة أن أثر أزمة هرمز على سوريا خلال الربع الأخير من 2026 لن يتحدد بسعر Brent منفرداً. المتغير الحاسم هو التفاعل بين ثلاثة أسعار: سعر الطاقة العالمي، وسعر الصرف، وسعر المشتقات محلياً.
إذا استقر النفط قرب 100 دولار وتراجعت حدة اضطراب هرمز، يمكن للاقتصاد السوري امتصاص جزء من الصدمة. أما إذا استقر النفط في نطاق 110–125 دولاراً، بالتزامن مع ضعف الليرة، فإن التأثير سيكون أكبر بكثير. وفي سيناريو تصعيد إقليمي يدفع النفط إلى مستويات أعلى، فإن الضغط قد يتحول إلى صدمة تضخمية واسعة.
وعليه، فإن تقدير ارتفاع الأسعار السورية بنحو 25% خلال الربع الأخير يجب أن يقدم بوصفه سيناريو تحليلياً وليس توقعاً حتمياً. وهو يصبح أكثر احتمالاً إذا اجتمعت ثلاثة شروط: استمرار ارتفاع النفط، تراجع سعر الصرف، وغياب تحسن ملموس في الإنتاج المحلي أو تدفقات العملات الأجنبية.
وهنا تصل الدراسة إلى استنتاج محوري: مشكلة سوريا ليست ارتفاع النفط العالمي في حد ذاته، بل عدم امتلاكها القدرة الكافية على امتصاص الصدمة. فالاقتصاد القادر على الوصول إلى الدولار، وتمويل الواردات، واستخدام مخزوناته، وتقديم دعم مؤقت، يستطيع تأجيل انتقال الصدمة إلى الأسعار. أما الاقتصاد الذي يعاني فجوة طاقة وفجوة نقد أجنبي وضعفاً إنتاجياً، فإن الصدمة الخارجية تتحول سريعاً إلى تضخم داخلي.
وهذا يقود إلى المبحث التالي: هل يمكن أن يتحول تحسن إنتاج النفط السوري وموقع الساحل السوري إلى عامل تخفيف للصدمة، أم أن الجغرافيا الجديدة للطاقة في شرق المتوسط ستجعل سوريا في الوقت نفسه مستفيدة من حركة الطاقة الإقليمية ومتضررة من ارتفاع تكلفتها؟
قبل كتابة المحور الرابع، أحتاج إلى أن أجعله أكثر دقة من المحاور السابقة، لأننا سندخل هنا في الجغرافيا الاقتصادية السورية نفسها: النفط المحلي، التكرير، الموانئ، العراق، تركيا، وخيارات تخفيف صدمة هرمز. سأتعامل مع هذه العناصر كـ قدرات وممرات جيو-اقتصادية لا كأخبار متفرقة.
4. سوريا في إعادة تشكيل جغرافيا الطاقة الإقليمية: بين فرصة الموقع وحدود القدرة الاقتصادية
4.1 من مستورد هش إلى عقدة محتملة في شبكة الطاقة
تكشف أزمة هرمز عن مفارقة مهمة في الموقع السوري. فمن جهة، تقع سوريا خارج الخليج، وبالتالي لا تتعرض مباشرة للاختناق البحري الذي يصيب الدول الواقعة شرق المضيق. ومن جهة أخرى، تمتلك موقعاً على المتوسط يمكن أن يكتسب أهمية أكبر عندما تبحث تجارة الطاقة عن مسارات بديلة.
هذه المفارقة تجعل موقع سوريا أكثر أهمية من حجم إنتاجها النفطي. فالجغرافيا السورية تربط الخليج والرافدين بالمتوسط من خلال شبكة من الطرق البرية والموانئ والبنية النفطية التاريخية. وقد استخدمت سوريا تاريخياً كمسار لعبور النفط العراقي نحو البحر المتوسط، قبل أن تؤدي الحرب وتدمير البنية التحتية وتغير العلاقات الإقليمية إلى تقليص هذا الدور.
وتكتسب هذه المسألة أهمية جديدة في ظل اضطراب هرمز. فقد بدأت شحنات من النفط والمنتجات النفطية العراقية تستخدم الساحل السوري كمسار بديل لتجاوز الاختناق البحري في الخليج. وأفادت رويترز في تموز/يوليو 2026 بوصول أول شحنات من زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر ميناء بانياس السوري، في مسار جديد نسبياً لتجاوز مضيق هرمز.
لكن ظهور هذا المسار لا يعني أن سوريا أصبحت لاعباً رئيسياً في سوق الطاقة. الفرق جوهري بين امتلاك موقع عبور وامتلاك قدرة جيو-اقتصادية مستقلة. فالموقع لا يتحول إلى قوة إلا إذا ترافق مع بنية تحتية فعالة، ومؤسسات مستقرة، وقدرة قانونية ومالية، وموانئ قادرة على المناولة، وعلاقات تجارية موثوقة.
وهنا تكمن الفرصة السورية الحقيقية. إذا استطاعت دمشق إعادة بناء دور بانياس والمرافئ وخطوط النقل والتخزين، فقد تتحول سوريا تدريجياً إلى جزء من شبكة بديلة لبعض تدفقات الطاقة العراقية. لكن ذلك يحتاج إلى استثمارات كبيرة واستقرار سياسي وأمني، وليس مجرد قرار إداري.
4.2 بانياس والعراق: الجغرافيا البديلة لهرمز
أهم ما تكشفه أزمة هرمز هو قيمة المسارات البديلة. عندما ترتفع تكلفة الطريق الرئيسي، ترتفع القيمة الاقتصادية لكل طريق قادر على تجاوز الاختناق. وهذا مبدأ أساسي في اقتصاديات الشبكات: قيمة العقدة البديلة ترتفع عندما تتراجع كفاءة العقدة المركزية.
بالنسبة إلى العراق، تمثل المسارات الغربية والشمالية خياراً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على الخليج. وبالنسبة إلى سوريا، فإن استضافة هذه التدفقات يمكن أن تولد إيرادات عبور ومناولة وتخزين وتكرير، إضافة إلى خلق طلب على الخدمات اللوجستية.
لكن هذه الفرصة تحمل حدوداً واضحة. أولها الطاقة الاستيعابية. فالمسار البديل لا يستطيع بالضرورة تعويض الحجم الذي يمر عبر هرمز. وثانيها التكلفة. نقل النفط براً أو عبر مسار أطول قد يكون أكثر تكلفة من النقل البحري المباشر. وثالثها المخاطر السياسية. أي مسار بديل يحتاج إلى استقرار طويل الأمد كي يصبح جذاباً لشركات الطاقة والتأمين.
لذلك لا ينبغي أن نقرأ التحول نحو بانياس باعتباره بديلاً كاملاً لهرمز. الأدق أنه جزء من استراتيجية تنويع المسارات.
وهذا التمييز مهم جداً. فإذا عادت الملاحة في هرمز إلى طبيعتها، قد تنخفض الحوافز الاقتصادية لاستخدام بعض المسارات البديلة. أما إذا استمرت الأزمة، فإن القيمة النسبية للموانئ السورية قد ترتفع.
بمعنى آخر، فإن قيمة بانياس ليست ثابتة. إنها دالة في درجة اختناق هرمز.
4.3 النفط السوري: فرصة تخفيف أم وهم الاكتفاء؟
تحتاج القراءة الاقتصادية للإنتاج النفطي السوري إلى الابتعاد عن الرقم المجرد. ارتفاع الإنتاج من مستوى منخفض إلى مستوى أعلى يمثل تحسناً حقيقياً، لكنه لا يساوي بالضرورة تحولاً في بنية الاقتصاد الطاقوية.
إذا بلغ الإنتاج المحلي نحو 120 ألف برميل يومياً، بينما بقي الطلب في نطاق 300 ألف برميل يومياً، فإن سوريا تظل أمام فجوة كبيرة. كما أن قدرة التكرير تمثل متغيراً مستقلاً. فقد تمتلك الدولة الخام لكنها تضطر إلى استيراد بعض المشتقات إذا لم تكن المصافي قادرة على تحويله إلى المنتجات المطلوبة بالكميات والنوعية المناسبة.
وهنا تظهر أهمية مفهوم صافي أمن الطاقة. لا ينبغي قياسه بحجم الإنتاج، بل بالقدرة على تلبية الطلب النهائي في ظل اضطراب الأسواق العالمية.
يمكن أن نكتب المعادلة بصورة مبسطة:
أمن الطاقة السوري = الإنتاج المحلي + التكرير + المخزون + القدرة على الاستيراد + استقرار سعر الصرف.
إذا تحسن عنصر واحد فقط، بينما بقيت العناصر الأخرى ضعيفة، يبقى الأمن الطاقوي هشاً.
لذلك فإن الحديث عن استعادة الحقول يجب أن يتحول من خطاب سياسي إلى سؤال اقتصادي: كم برميلاً إضافياً يوفره الإنتاج المحلي من فاتورة الاستيراد؟
إذا كان كل برميل إضافي يخفض حاجة سوريا إلى شراء النفط أو المشتقات بالدولار، فإن الإنتاج له قيمة مباشرة في حماية سعر الصرف. أما إذا كانت القيود التكريرية واللوجستية تحول دون الاستفادة الكاملة منه، فإن أثره المالي سيكون أقل.
4.4 تركيا والبحر المتوسط وإعادة تشكيل الممرات
لا يمكن دراسة الموقع السوري دون إدخال تركيا في المعادلة. فأنقرة تمتلك موقعاً مركزياً بين آسيا وأوروبا، وتعمل منذ سنوات على تعزيز دورها كممر للطاقة والتجارة. ويمنح اضطراب هرمز أهمية إضافية للمسارات التي تصل الشرق الأوسط بالمتوسط وأوروبا عبر البر والبحر.
بالنسبة إلى سوريا، قد تتحول الحدود الشمالية إلى عنصر في شبكة أوسع تربط العراق وتركيا والمتوسط. لكن ذلك يعتمد على شكل العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دمشق وأنقرة وبغداد.
وهنا نصل إلى مفهوم الجيو-اقتصاد الإقليمي. فالقيمة الاقتصادية للموقع السوري لا تحددها سوريا وحدها. إنها نتاج العلاقة بين عدة دول. وإذا أصبحت سوريا نقطة وصل بين العراق وتركيا والمتوسط، فإن قدرتها التفاوضية قد ترتفع. أما إذا بقيت خارج مشاريع الربط الإقليمية، فقد تتحول جغرافيتها إلى ميزة نظرية لا تنتج قيمة اقتصادية فعلية.
وهذا يطرح فرضية مهمة للدراسة: قد تكون القيمة المستقبلية لسوريا في سوق الطاقة أكبر من حجم إنتاجها المحلي، إذا استطاعت تحويل موقعها الجغرافي إلى خدمات عبور وتخزين وتكرير ومناولة.
لكن تحقيق هذه الفرضية يحتاج إلى شروط مؤسسية. المستثمر لا يبحث عن أقصر طريق فقط. يبحث أيضاً عن استقرار القوانين، وحماية الأصول، والتأمين، والقدرة على تحويل الأرباح، ووضوح العقود. لذلك فإن الجغرافيا وحدها لا تكفي.
4.5 المفارقة الجيو-اقتصادية السورية
تظهر هنا مفارقة تستحق أن تكون إحدى النتائج الرئيسية للدراسة.
قد تصبح سوريا أكثر أهمية في حركة الطاقة الإقليمية في الوقت الذي تصبح فيه أكثر تعرضاً لارتفاع تكلفة الطاقة داخلياً.
فإذا استخدم العراق الساحل السوري لتجاوز هرمز، تستفيد سوريا من رسوم النقل والموانئ والخدمات. وإذا ارتفعت قيمة موقع بانياس، يمكن أن تجذب استثمارات في التخزين والمرافئ والتكرير. لكن في الوقت نفسه، تبقى سوريا بحاجة إلى استيراد جزء من احتياجاتها، وتظل أسعار الطاقة العالمية عاملاً مؤثراً في اقتصادها.
إذن يمكن أن تكون سوريا في الوقت نفسه: ممرّاً للطاقة ومستورداً للطاقة.
وهذه ليست مفارقة جغرافية فقط، بل مفارقة في القيمة المضافة. الدولة التي تمر عبرها الطاقة لا تستفيد تلقائياً من انخفاض سعرها. الفائدة تتوقف على مقدار القيمة التي تستطيع استخراجها من عملية العبور.
إذا امتلكت سوريا الميناء والخزانات وخطوط الأنابيب والمصافي والخدمات اللوجستية، تصبح قادرة على تحويل الموقع إلى دخل. أما إذا اقتصرت على السماح بمرور الشحنات، فإن الجزء الأكبر من القيمة سيذهب إلى المنتج والناقل والمشتري.
ومن هنا فإن الاستجابة السورية لأزمة هرمز يجب ألا تقتصر على دعم المحروقات أو رفع الإنتاج النفطي. المطلوب هو بناء استراتيجية أمن طاقوي جيو-اقتصادية تربط الإنتاج المحلي بالموانئ والتكرير والتخزين والممرات الإقليمية.
وبذلك، فإن أزمة هرمز لا تمثل لسوريا خطراً فقط. إنها تكشف أيضاً فرصة استراتيجية. لكن الفرق بين الخطر والفرصة لن تحدده الجغرافيا وحدها. سيحدده مستوى القدرة السورية على تحويل الجغرافيا إلى بنية تحتية، والبنية التحتية إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى عملة أجنبية واستقرار اقتصادي.
ومن هنا يصبح السؤال التالي أكثر تحديداً: إذا استقر النفط في نطاق 100–125 دولاراً خلال الربع الأخير، واستمر اضطراب هرمز، فما حجم الصدمة التي يمكن أن تنتقل إلى سعر الصرف السوري وأسعار البنزين والمازوت والمستوى العام للأسعار؟ وهذا هو محور الاختبار الكمي للدراسة
5. الحكومة أمام صدمة مزدوجة: خطر انفجار الأسعار وحدود السياسة الاقتصادية
5.1 المشكلة ليست في صدمة النفط وحدها
تدخل سوريا الربع الأخير من عام 2026 وهي في وضع اقتصادي لا يسمح بالتعامل مع صدمة طاقة عالمية باعتبارها ارتفاعاً مؤقتاً في تكلفة الاستيراد. فالاقتصاد يعاني أصلاً من ضعف القدرة الإنتاجية، وهشاشة سوق الصرف، وارتفاع تكاليف النقل والخدمات، وتفاوت كبير بين الأسعار الرسمية والأسعار الفعلية في السوق. ولذلك فإن انتقال أسعار الطاقة العالمية إلى الاقتصاد السوري لا يحدث عبر قناة واحدة، بل عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالنفط وتنتهي بمستوى المعيشة.
وتأتي هذه الصدمة في وقت تؤكد فيه المؤشرات الدولية أن ارتفاع أسعار الوقود في 2026 أصبح بالفعل أحد محركات التضخم العالمية. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن التضخم السوري ارتفع بصورة ملحوظة خلال 2026، نتيجة ارتفاع أسعار الواردات، ولا سيما الوقود والغذاء، إلى جانب زيادة الطلب المحلي وارتفاع أسعار الخدمات والمرافق.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في السياسة الحكومية: التعامل مع كل زيادة سعرية باعتبارها مشكلة منفصلة، بدلاً من النظر إلى الاقتصاد باعتباره نظاماً مترابطاً لانتقال الصدمات.
ارتفاع البنزين يرفع تكلفة النقل الفردي. ارتفاع المازوت يرفع تكلفة النقل التجاري والزراعة والمولدات والصناعة. ارتفاع النقل يرفع أسعار الجملة. ثم تنتقل الزيادة إلى الغذاء والخدمات. وفي اقتصاد ذي قدرة إنتاجية محدودة، يمكن أن تتحول الزيادة في تكلفة المدخلات إلى زيادة واسعة في الأسعار بدلاً من أن تمتصها الشركات من هوامش أرباحها.
وبذلك لا تعود المسألة «سعر المحروقات»، بل تصبح صدمة تضخمية شاملة.
5.2 السياسة السعرية قد تؤخر الانفجار ولا تمنعه
من المفهوم اقتصادياً أن تحاول الحكومة حماية المستهلك من الصدمة الخارجية، خصوصاً في مجتمع منخفض الدخل. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح سياسة التسعير أداة أساسية لإدارة أزمة هي في الأصل أزمة عرض ونقد أجنبي وإنتاج.
خفض أسعار المشتقات النفطية يمكن أن يخفف الضغط على المستهلك في المدى القصير. وقد خفضت الحكومة بالفعل أسعار البنزين والمازوت بنسب تراوحت بين 14 و20% في حزيران/يونيو 2026، وفق وزارة الطاقة السورية.
لكن هذا الإجراء لا يلغي التكلفة الاقتصادية الحقيقية للنفط. فإذا ارتفع سعر النفط العالمي واستمرت كلفة الاستيراد أو النقل أو التأمين في الارتفاع، فإن الفارق لا يختفي. إما أن تتحمله الموازنة، أو تتحمله مؤسسة الاستيراد، أو يتراكم كخسارة، أو يظهر لاحقاً في الأسعار.
وهنا ينبغي طرح السؤال النقدي الأهم: هل تمتلك الحكومة هامشاً مالياً ونقدياً يسمح لها بامتصاص صدمة طاقة ممتدة؟
إذا كانت الإجابة سلبية، فإن تثبيت السعر الإداري لفترة طويلة قد يتحول من أداة حماية اجتماعية إلى تأجيل للمشكلة. والأسوأ أن استمرار السعر الإداري دون تأمين العرض قد يؤدي إلى نقص أو سوق موازية أو ارتفاع غير رسمي، بحيث تصبح الدولة أمام معادلة صعبة: سعر رسمي منخفض لا يعكس التكلفة، وسعر فعلي أعلى يعكس ندرة السلعة.
السياسة الأكثر خطورة في هذه الحالة ليست رفع الأسعار بحد ذاته، وإنما إدارة الأسعار بمعزل عن إدارة مصادر الصدمة.
5.3 سعر الصرف هو الحلقة التي يمكن أن تفجّر الصدمة
الخطر الأكبر على الاقتصاد السوري ليس وصول النفط إلى 110 أو 120 دولاراً بحد ذاته، وإنما تزامن ذلك مع تراجع القدرة على توفير الدولار لتمويل الواردات.
حتى في مطلع أيلول/سبتمبر كان هناك فارق بين السعر الرسمي للدولار والسوق الموازية؛ فقد بلغ السعر الرسمي الوسطي نحو 122 ليرة سورية جديدة للدولار في 7 أيلول، مقابل مستويات قاربت 131–132 ليرة في السوق الموازية خلال الأيام نفسها.
قد يبدو الفارق محدوداً نسبياً، لكنه يحمل أهمية اقتصادية كبيرة لأنه يكشف أن السوق لا تعمل بالكامل وفق سعر صرف واحد. ومع ارتفاع فاتورة الطاقة، تزداد الحاجة إلى العملة الأجنبية، وبالتالي يزداد الضغط على سوق الصرف.
وهنا تعمل الصدمة وفق حلقة تغذية راجعة:
ارتفاع النفط زيادة فاتورة الاستيراد زيادة الطلب على الدولار ضغط على سعر الصرف
ارتفاع تكلفة الواردات ارتفاع الأسعار زيادة الطلب التحوطي على الدولار.
إذا لم تتدخل السياسة الاقتصادية لكسر هذه الحلقة، فإن التضخم يمكن أن يصبح ذاتي التعزيز.
وهذا هو السيناريو الذي ينبغي للحكومة أن تخشاه أكثر من مجرد ارتفاع سعر برميل النفط. فالدولار المرتفع لا يرفع سعر الوقود المستورد فقط؛ بل يرفع تكلفة كل سلعة ذات مكوّن مستورد. وعندها يصبح النفط مجرد المحفز الأول لسلسلة تضخمية أوسع.
5.4 المازوت: النقطة الأخطر في السياسة الاقتصادية
من منظور الاقتصاد السياسي للطاقة، التركيز على البنزين خطأ في تحديد مركز الخطر. البنزين مؤثر اجتماعياً، لكن المازوت أكثر أهمية في تحديد مسار التضخم لأنه يدخل في النقل الثقيل والزراعة وبعض الصناعات والتدفئة وتوليد الكهرباء والخدمات اللوجستية.
ولهذا فإن رفع تكلفة المازوت ينتقل إلى أسعار الغذاء بسرعة أكبر من ارتفاع تكلفة البنزين. شاحنة تنقل الخضار لا تحتاج إلى البنزين فقط؛ تحتاج إلى المازوت، وكذلك الجرار الزراعي، وآليات الحصاد، وبعض المولدات، والعديد من حلقات سلسلة التوريد.
وتؤكد التجربة الدولية الحالية هذه الآلية. فقد أصبح الديزل أحد أكثر عناصر سوق الطاقة العالمية توتراً، مع تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار، فيما حذرت وكالة الطاقة الدولية من استمرار اضطراب الإمدادات الخليجية وانخفاض المخزونات.
لذلك فإن الحكومة التي تنجح في إبقاء سعر البنزين مستقراً بينما تسمح بارتفاع تكلفة المازوت والنقل قد لا تكون قد أوقفت التضخم؛ بل ربما تكون قد أخّرت ظهوره في مؤشر الأسعار المباشر بينما تسمح له بالانتقال عبر سلاسل الإنتاج والتوزيع.
وهنا تصبح السياسة الحكومية بحاجة إلى التحول من «إدارة سعر الوقود» إلى «إدارة تكلفة الاقتصاد».
5.5 من التضخم إلى انفجار الأسعار: السيناريو الذي يجب التحوط له
لا يعني التحليل أن انفجاراً سعرياً حتمياً سيحدث. لكن استمرار الظروف الحالية مع استمرار اضطراب هرمز وارتفاع النفط وتراجع القدرة على امتصاص الصدمة يجعل احتمال حدوث قفزة تضخمية واسعة أكبر بكثير من احتمال بقاء الأسعار مستقرة.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو ارتفاع عالمي في سعر النفط يمكن للاقتصاد السوري امتصاصه مؤقتاً. المستوى الثاني هو ارتفاع النفط بالتزامن مع ارتفاع تكلفة المشتقات والنقل والشحن. أما المستوى الثالث، وهو الأخطر، فيجمع بين ارتفاع الطاقة، وضغط سعر الصرف، ونقص السيولة الأجنبية، وتراجع القدرة الشرائية، وتوقعات تضخمية لدى التجار والمستهلكين.
في المستوى الثالث، قد يبدأ التسعير على أساس تكلفة الاستبدال المتوقعة وليس تكلفة السلعة الحالية. أي أن التاجر الذي اشترى بضاعة بسعر دولار منخفض نسبياً قد يسعّرها وفق السعر الذي يتوقع أن يشتري به الدولار والسلعة لاحقاً. عندها يصبح التضخم أسرع من الزيادة الفعلية في تكلفة الاستيراد.
وهذا تحديداً ما يجعل السياسة الحالية بحاجة إلى مراجعة عاجلة. فالمشكلة ليست أن الحكومة لا تستطيع منع ارتفاع النفط العالمي؛ فهذا خارج قدرتها. المشكلة هي أن عليها أن تمنع انتقال الصدمة العالمية إلى أزمة داخلية مركبة.
إذا بقيت السياسة الاقتصادية قائمة على تعديلات سعرية جزئية، وضبط إداري للأسعار، واستجابات متأخرة لسوق الصرف، من دون بناء احتياطي فعلي من المشتقات، وتنويع مصادر الاستيراد، وحماية المازوت المنتج، وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر تعرضاً، فإن الصدمة الخارجية يمكن أن تتحول إلى انفجار داخلي في الأسعار.
والخطر السياسي هنا لا يقل عن الخطر الاقتصادي. فارتفاع الأسعار في اقتصاد خرج حديثاً من سنوات الحرب لا يعني فقط انخفاض القوة الشرائية. إنه يعيد إنتاج عدم الثقة، ويدفع الأسر إلى تحويل مدخراتها إلى الدولار أو الذهب، ويضغط على الأجور، ويزيد اقتصاد الظل، ويضعف قدرة الحكومة على ضبط السوق.
لذلك فإن التحذير الأساسي لهذه الدراسة ليس أن النفط سيصبح غالياً، بل أن الحكومة قد تسمح لارتفاع النفط بأن يصبح غلاءً شاملاً داخل الاقتصاد السوري.
وفي ظل استمرار اضطراب هرمز، وأسعار نفط تقترب من 100 دولار وتتجاوزها، وضغوط قوية على أسواق المشتقات، فإن إدارة الأزمة بالآليات الحالية قد لا تكون كافية. فقد تجاوزت أسعار برنت بالفعل 100 دولار في أيلول/سبتمبر مع استمرار المخاطر المرتبطة بهرمز والمنشآت النفطية الخليجية، فيما تتوقع وكالة الطاقة الدولية استمرار ضيق سوق النفط خلال 2026.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر خطورة لسوريا ليس ارتفاع النفط إلى 120 دولاراً بحد ذاته، وإنما اجتماع 120 دولاراً للنفط + ضغط على سعر الصرف + ارتفاع المازوت + ضعف القدرة الشرائية + سياسة حكومية تفاعلية بدلاً من سياسة استباقية.
عند هذه النقطة لا نتحدث عن تضخم مستورد فحسب، بل عن انتقال الاقتصاد إلى حلقة تضخمية داخلية. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تبدأ منها السياسة الاقتصادية السورية إذا أرادت منع انفجار الأسعار بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجه بعد وقوعه
.الخاتمة: من صدمة هرمز إلى اختبار الاقتصاد السوري في الربع الأخير من 2026
لا تكمن خطورة الصراع الأميركي–الإيراني على الاقتصاد السوري في ارتفاع سعر النفط العالمي وحده، بل في الطريقة التي يمكن أن تنتقل بها الصدمة الخارجية إلى اقتصاد يعاني أصلاً من فجوة طاقة، وضعف في القدرة الإنتاجية، وحساسية مرتفعة تجاه سعر الصرف، ومحدودية في أدوات السياسة المالية والنقدية. ولذلك فإن مضيق هرمز، في الحالة السورية، ليس مجرد نقطة جغرافية بعيدة، وإنما قناة محتملة لإعادة إنتاج الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد.
أظهرت الدراسة أن سوق الطاقة العالمية استطاعت حتى الآن امتصاص جزء من الصدمة من خلال المخزونات الاستراتيجية، وإعادة توجيه بعض التدفقات، واستخدام مسارات بديلة، وتعديل الطلب. إلا أن استمرار اضطراب هرمز يرفع تكلفة هذه الآليات تدريجياً. ومع تراجع المخزونات وارتفاع أسعار الخام والمشتقات، تصبح قدرة السوق على امتصاص صدمة إضافية أقل. وهذا يعني أن الربع الأخير من 2026 لن يكون مجرد امتداد للربع الثالث، بل قد يمثل مرحلة تنتقل فيها الأزمة من صدمة عرض مؤقتة إلى علاوة مخاطر جيوسياسية أكثر رسوخاً في تسعير الطاقة.
بالنسبة إلى سوريا، فإن السيناريو الأكثر خطورة لا يتطلب وصول النفط إلى مستويات استثنائية. يكفي استمرار النفط فوق حاجز 100 دولار، مع ارتفاع أسعار المشتقات وتكاليف الشحن والتأمين، بالتزامن مع ضغط على سوق الصرف. عندها يمكن أن تعمل ثلاث حلقات في وقت واحد: ارتفاع تكلفة استيراد الطاقة، زيادة الطلب على العملات الأجنبية، ثم انتقال ارتفاع التكلفة إلى النقل والإنتاج والغذاء والخدمات. وإذا دخلت توقعات التضخم على الخط، فقد يصبح التسعير مبنياً على توقعات التكلفة المستقبلية وليس على التكلفة الحالية، وهو ما يسرّع التضخم ويصعّب احتواءه.
ومن هنا تأتي النقطة النقدية الأساسية تجاه السياسة الحكومية: ليس كافياً أن تخفض الحكومة سعر المحروقات أو تضبطه إدارياً إذا كانت تكلفة تأمين الطاقة نفسها ترتفع. الدعم السعري قد يوفر حماية مؤقتة، لكنه لا يعالج فجوة الطاقة ولا نقص العملة الأجنبية ولا ضعف الإنتاج. وإذا لم يكن مدعوماً بسياسة واضحة للمخزون، والاستيراد، وسعر الصرف، والنقل، وحماية القطاعات الإنتاجية، فقد يتحول إلى تأجيل للصدمة بدلاً من امتصاصها.
وفي المقابل، تمتلك سوريا فرصة لا ينبغي تجاهلها. فموقعها المتوسطي، وميناء بانياس، والعلاقة المحتملة مع العراق، وإمكانية تطوير مسارات بديلة للطاقة، يمكن أن تمنحها دوراً أكبر في شبكة الطاقة الإقليمية. لكن تحويل هذه الميزة الجغرافية إلى مكسب اقتصادي يحتاج إلى بنية تحتية واستقرار مؤسسي وعقود موثوقة وسياسة طاقة تتجاوز إدارة الأزمة اليومية. إن امتلاك موقع عبور لا يجعل الدولة قوة جيو-اقتصادية ما لم تستطع تحويل العبور إلى قيمة مضافة وإيرادات واستثمارات وقدرة تفاوضية.
وعليه، يمكن تصور الربع الأخير من 2026 ضمن ثلاثة مسارات. في حالة انفراج نسبي في هرمز، يمكن أن تتراجع علاوة المخاطر ويستعيد النفط نطاقاً أكثر اعتدالاً، ما يمنح دمشق مساحة لالتقاط الأنفاس. أما في حالة استمرار الصراع وإدارة هرمز بصورة جزئية، وهو السيناريو الأكثر واقعية في ظل المعطيات الحالية، فإن الاقتصاد السوري سيواجه ضغوطاً متصاعدة على المحروقات وسعر الصرف والأسعار، مع احتمال انتقال التضخم من الارتفاع التدريجي إلى القفزات السعرية. أما سيناريو التصعيد الإقليمي الواسع، فيمكن أن يدفع الصدمة إلى مستوى مختلف تماماً، خصوصاً إذا تزامن اضطراب هرمز مع اضطراب باب المندب أو تضرر مسارات بديلة في المنطقة.
لذلك فإن الخطر الحقيقي على سوريا في الربع الأخير ليس «سعر النفط» بوصفه متغيراً منفرداً، بل تفاعل النفط مع سعر الصرف والمازوت والنقل والسيولة وتوقعات السوق. وإذا استمرت السياسة الاقتصادية في التعامل مع هذه المتغيرات كلٌّ على حدة، فقد تتحول الصدمة الخارجية إلى تضخم داخلي يصعب كسره.
الاستحقاق الحقيقي أمام الحكومة إذن ليس منع ارتفاع الأسعار، فهذا غير ممكن بالكامل، وإنما منع تحول ارتفاع الأسعار إلى دورة تضخمية متسارعة. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين اقتصاد يستطيع امتصاص صدمة جيوسياسية واقتصاد يعيد إنتاجها داخلياً.
وفي هذا المعنى، فإن الربع الأخير من 2026 قد يكون اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد السوري على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر. فإذا لم تُبنَ سياسة استباقية للطاقة وسعر الصرف والسلع الأساسية، فقد لا تكون المشكلة في أن العالم دخل أزمة طاقة جديدة، بل في أن سوريا ستدفع ثمن الأزمة العالمية مضاعفاً: مرة عبر فاتورة الطاقة، ومرة ثانية عبر الانفجار الداخلي في الأسعار.
ليفانت: د.علي مطيع عيسى
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

